Header

مجلات و جرائد
































إعلانات









Links

عبـــــــادة الفــــــــــرد

فريدة النقاش's picture

بعد مرور عام علي حكم الرئيس «باراك أوباما» لأمريكا انطلقت موجة هائلة من الكتابات السياسية والنظرية لتقييم دور أول رئيس أسود للولايات المتحدة الأمريكية، الذي وصل إلي سدة الحكم بعد كفاح مرير ضد التمييز والعنصرية استمر لقرنين من الزمان خاصة الأمريكيين من أصل إفريقي من أبناء العبيد الذين جلبهم التجار قسرا ليعمروا القارة الجديدة، وقصد أوباما أن يوجه التحية لأجداده هؤلاء حين اختار ساحة الكابيتول الذي بناه العبيد مكانا لحفل تنصيبه.

وتوقف محللون كثيرون أمام دور الفرد في التاريخ وخصائص الشخصية الكاريزمية الساحرة التي تميز بها «أوباما» لشبابه وحماسه، وتساءلوا هل يكفي هذا وحده لتغيير أمريكا؟

وأعادت هذه الكتابات إلي الأذهان قضية «عبادة الشخصية» التي عرفتها بلدان ونظم شتي، والتي لا تتطابق ولا تتماثل أبدا مع ما يمكن استخلاصه من التاريخ السياسي العالمي عن الدور المميز للفرد في التاريخ الذي تحدده عوامل شتي لعل أهمها وجود قاعدة اجتماعية ناضجة ومؤهلة لحمل المشروع الجديد الذي يتبناه الزعيم الموهوب والصادق.

ورغم أن تقليد عبادة الفرد أو الزعيم كان قد ارتبط تاريخيا بالفكر والممارسات الماركسية والثورة الاشتراكية، فإن ماركس كان قد حذر مبكرا جدا من هذه الظاهرة بعد أن حظي هو و«إنجلز» بشهرة واسعة في منتصف القرن التاسع عشر حين ذاعت كتاباتهما ومواقفهما، وكتب ماركس رسالة إلي صحفي اشتراكي قال فيها:

«لا نعير لا أنا ولا إنجلز أدني أهمية للشهرة، وهذا دليل علي ما أقول، فأنا لا أقبل أبدا بسبب الاشمئزاز الذي أشعر به إزاء كل عبادة للشخص أن تنشر- عندما كانت الأممية قائمة- رسائل الإطراء العديدة التي يحرجني بها باعثوها من بلدان مختلفة ويقدرون فيها مؤهلاتي، حتي أنني لم أجب عنها، وإذا فعلت فيكون ردي في شكل رسائل عتاب» ويضيف ماركس..«لقد كان انخراطنا لأول مرة، إنجلز وأنا، في جمعية الشيوعيين السرية مشروطا بأن يحذف من أنظمتها الأساسية كل ما من شأنه أن يسهم في تقديس الزعامات».

وحين توالت أشكال التعازي والرثاء بالملايين لدي رحيل «لينين» عام 1924 وكانت الثورة الاشتراكية قد انتصرت واستقرت كدولة، قالت كروبسكايا رفيقته وزوجته في رسالة منشورة للجميع.. «لا تتركوا تمجيدكم لإليتشي يتخذ شكل عبادة لشخصه، لا تقيموا له النصب، لا تسموا قصرا باسمه ولا تنظموا من أجله حفلات لذكراه، فقد كان في حياته لا يعير اهتماما يذكر لمثل هذه الأشياء، فهي حسب نظره أمور زائفة للغاية، فإذا كنتم ترغبون في تكريم اسم «لينين» فشيدوا دورا للحضانة، وابنوا المدارس وروضات الأطفال، وأقيموا المكتبات والمراكز الصحية أو المستشفيات ودور الإيواء للعجزة، وفوق هذا وذاك ضعوا مبادئه حيز التنفيذ».

ورغم هذا التحذير ورغم الممارسات الديمقراطية في العمق للمؤسسين الثلاثة ماركس- إنجلز- لينين ، أثناء حياتهم ورغم نفورهم الشامل من تقاليد وممارسات عبادة الشخصية، نشأت الظاهرة «الستالينية» كأهم ظواهر عبادة الشخصية علي الصعيدين الفكري والعملي فشوهت التراث الماركسي والاشتراكي عامة، وهكذا ارتبط حكم «ستالين» رغم الإنجازات الضخمة والانتصار في الحرب العالمية الثانية بأقسي مظاهر القمع الوحشي للمعارضين والتي لوثت الاشتراكية فكرا وثورة، وأقامت الأسس التي أدت فيما بعد - ضمن عوامل أخري- إلي تدمير الحزب، بعد أن أشاعت روح الخوف وقمعت النقد والمكاشفة ومواهب المناضلين، وجري عزل الحزب عن الشعب وتدمير السوفييتات التي كان «لينين» قد راهن عليها كأحد أرقي أشكال الديمقراطية المباشرة وتحولت العلاقات داخل الحزب إلي علاقات شخصية لا سياسية يحكمها الولاء للشخص وعجزت مؤسسات الحزب عن مقاومة عبادة الشخصية في حياة «ستالين»، وانقضي زمن طويل بعد موته إلي أن كتب خروشوف تقريره السري عام 1956 وقدمه للمؤتمر العشرين للحزب فاتحا الجرح الغائر في حياة كل من الحزب والدولة.

وانطلقت بشكل علني عملية التفكير في الأسباب المختلفة «التي جعلت من عبادة شخص ستالين ظاهرة ما انفكت تنمو مع الأيام حتي أصبحت مصدرا للتشوهات الخطيرة والبالغة أكثر فأكثر لمبادئ الحزب ولديمقراطيته وللشرعية الثورية» كما قال تقرير خروشوف0 ثم كان أن أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي تقريرا مفصلا حول «عبادة الشخصية» أشارت فيه إلي الظروف التاريخية التي أحاطت بميلاد اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، حيث كان هناك إرث ثقافي استبدادي وبني اقتصادية واجتماعية متخلفة ومحيط عالمي معاد، ثم أضافت لذلك كله بعض خصائص شخصية «ستالين» نفسه.

ويضيف الكاتب الماركسي الفرنسي «موريس مواسونيه» إلي مجموعة الأسباب التي ولدت الظاهرة طرق عمل الحزب وعلاقاته بالجماهير. وهي علاقات طبعتها بيروقراطية الدولة بالاغتراب حين عزلت الجماهير وشلت فعاليتها وحولتها إلي متفرجة ونشأت الأوامرية والتسلط وعطلت دور العامل الذاتي لهذه الجماهير من التاريخ وأبرزت دور الفرد علي حسابه وبدلا منه واستخلص الكاتب أن ظاهرة عبادة الشخصية هي نتيجة انحرافات بناء الاشتراكية في اتحاد الجمهوريات السوفيتية أكثر مما هي مصدر لها.

وفي حالتنا تسببت ظاهرة عبادة الزعيم جمال عبد الناصر -ضمن أسباب أخري- في تحول ثورة يوليو التحررية لليمين وانهيارها وهزيمتها رغم كل الانجازات الهائلة التي لا ينكرها إلا جاحد أو أعمي.

ونحن مدعوون للتعلم بإخلاص من كل دروس هذه الظاهرة.