Header

مجلات و جرائد
































إعلانات









Links

فى الحــــبّ والحــــريّة


E-mail: nader.wahba_abc@yahoo.com

مع بداية كلّ عام جديد نتلقى التهاني من بعض الذين نعرفهم، ومع بداية كلّ عام جديد يشعر البعض منا بالاستغراب ... ها قد مضى عام آخر ... ككل الاعوام التي مضت ... أين نحن الآن؟؟ ... ترى بماذا سيأتينا المستقبل.

أما البعض الآخر ... وهم قلة ... أو ندرة ... فبتأكيد إيماني عميق، وبإحساس غير مفهوم لا يخضع لمنطق الحساب او العلم يؤكدون بثقة انه سيكون عاما سعيدا رائعا.

ماذا يمكن أن نسمي ذلك؟ تفاؤل؟ ... أحلام يقظة؟ ... ثقة بما يُرجى ولا يُرى؟ ... أم ماذا؟

فلنسمها ايّا من هذه الأسماء، أو أيّ إسم آخر، ليس مهما بماذا نسميها ... بقدر ما هو مهم جدا ... أن نتأمل في آثار هذا النوع الرائع من الإحساس.

لعل بعضا منا، خاصّة إن كان هذا البعض ممن ينطبق عليهم القول: على باب الله (وما أوسع بابه وأرحب الطريق إليه) ... لعل هذا البعض قد جرّب يوما حين يخرج من بيته يحمل إحساسا بغيضا من التشاؤم وعدم الارتياح ... كيف يكوان يومه بعد ذلك في مكان عمله ومصدر رزقه ورزق أولاده، كيف يمضي اليوم في تعاسة داخلية، وأحداث غير سارّة، كأنّما الناس، كلّ الناس، قد عرفوا بتجهّمه فى ذلك اليوم فقرروا أن يبتعدوا عنه، ومن يقترب فلأسباب تؤدّى إلى مزيد من السخط، ويعود في آخر اليوم إلى بيته كاسفا حزينا بعد أن أنفق ما كان في جيبه من دريهمات على مصاريف رحلته وبعض الطعام الرخيص الذي تناوله مضطرا خلال النهار.

ولعل هذا البعض أيضا، جرّب كذلك ... حين خرج من بيته يحمل إحساسا رائعا من التفاؤل والرضا ... يدفعه إلى الصفير وهو راجل أو الغناء وهو يقود سيارته، بحسب الاحوال، ... كيف كان اليوم بعد ذلك. كم هو غريب وعجيب أنّ الناس، كلّ الناسن قد عرفوا إنّه مستبشر، سعيد ومبتسم، ذلك أتوا إليه يطلبون منه، أو بالحرى يرجونه ... وهو يطلب إليهم الانتظار بالصبر كل حتى يأتي دوره ليبيعه سلعة او يؤدي له خدمة يأخذ بعدها أجره ... والأحلى من ذلك، شكره على أدائه.

لو كان ما أقوله صحيحا في معظم الأحيان ... أو حتى في كثير من الأحيان ... أفلا يستحق ذلك منا وقفة للتأمل والتحليل والتعليل؟ ... ثم وقفة أخرى بعد ذلك، وهى الأهمّ، للاستفادة والتعليم؟؟

دعنا نقف وقفتنا الأولى ... نتأمل ونجتهد تحليلا وتعليلا ... ولنبدأ في ذلك بطرح أسئلة ارشاديّة علّها تقودنا إلى تفاسير مقبولة.

السؤال الأول: هل هناك علاقة بين ما يدور داخل الإنسان في عقله وفي قلبه، وبين ما يحدث حوله من الاحداث؟

السؤال الثاني: ما هي طبيعة هذه العلاقة؟

السؤال الثالث: كيف يمكن ... ولو اجتهادا، تفسير إجابة السؤالين الأولين؟

هذه هي الأسئلة التي سنجتهد في الإجابة عليها الآن.

أما الوقفة الثانية، وقفة الاستفادة والتعليم، فتطرح سؤالا أكثر خطورة وهو:

هل يمكن زرع المشاعر وإنماؤها؟ ... ومن ثمّ السيطرة عليها والتحكم فيها وتوجيهها بإرادة ذاتية نحو اتجاه إيجابي؟

وهذا موضوع شرحه سيطول وربما يأتي وقت قريب نقدم فيه الاجتهاد بالإجابة مع قدر من التبسيط والتلخيص.

نعود إلى الاسئلة الثلاثة الأولى:

أولا: هل هناك علاقة بين ما يدور داخل الإنسان في عقله وفي قلبه، وبين ما يحدث حوله من الاحداث؟

الإجابة هي: نعم. هناك بالقطع علاقة وثيقة، حقيقية، ماديّة، مباشرة بين ما يدور داخل الإنسان من أفكار ومشاعر وبين ما يحدث حوله من الأحداث، وهى أحداث تؤثر فى الإنسان تأثيرا مباشرا وحسوسا، برغم أنّها أحداث لم تصنعها يداه ولا حتى افكاره.

اما السؤال الثاني وهو: ما هي طبيعة هذه العلاقة؟

الإجابة بمنطق رياضي: " إن إيجابيّة الاحداث التي تدور حول الإنسان وتؤثر في مجريات حياته، (وكذلك سلبيتها)، تتناسب طرديا مع إيجابيّة الفكر والمشاعرالتي تهيمن على عقله (أو مع سلبيتها).

للقارئ الحق المطلق في الاتفاق أو الاختلاف مع ما أقول، ولست أدعي لنفسي قدرة على تقديم برهان علمي او رياضي، ولكنّ ما أقوله مستمدّ من التجربة اليومية في حياتي حتى الآن، ومن بعض الروايات الأمينة لتجارب الآخرين.

ونأتي إلى إجابة السؤال الأصعب ألا وهو: كيف يمكن تفسير إجابة السؤالين السابقين في النحو الوارد.

إن العواطف شيئ عظيم رائع موجود بداخل الإنسان بإرادة خالقه، وكما ان للعواطف مدلولات ماديّة واضحة فإن لها قوة ماديّة فعّالة كذلك.

وعلى كثرتها ... فلعلّ أعظم هذه العواطف جميعا هى الإيمان والحب، وعندما تمتزج فكرة، مهما بدت غير معقولة في مظهرها أو في توقيتها، بالحب والإيمان فإنها تؤثر وتحرك العقل الباطن للإنسان.

أما العقل الباطن، فهو معجزة الخالق وحده، ومنحته لأعز مخلوقاته جميعا وهو الإنسان ...

العقل الباطن له وظيفة هامّة بل شديدة الأهمّيّة، ذلك أنّه جهاز للإرسال والاستقبال يشبه فى عالمنا المادىّ جهاز اللاسلكى، وبينما يستخدم اللاسلكى الموجات الكهرومغناطيسيّة فى الهواء (أو الموجات فوق الصوتيّة تحت الماء)، يستخدم العقل الباطن موجات من نوع لا نملك لها تفسيرا وذلك لوجودها خارج حدود حواسّنا المحدودة ولكننا نستطيع ان نستشعر قوتها لو أردنا ذلك ، وكما ستخدم بعضنا جهاز اللاسلكى (أو الراديو مثلا) بغير حاجة أن يعرف كيفيّة عمله، يمكن للإنسان لو تدرّب جيدا أن يستخدم العقل البان وذلك فى الاتصال المباشر بقوى روحية لا نهائية في قدرتها (كما يحدث في الصلاة الصامتة).

الخلاصة، إنّ الفكرة المهيمنة ... عندما تمتزج بعاطفة قوية، هى الأداة التي يمكن بواسطتها التأثير في العقل الباطن وتشغيله، عندئذ يقوم العقل الباطن بوظيفته فى استلهام تلك القوة الجبّارة، يبعث إليها بالرغبات القوية التى يريد تحقيقها، وبقوة الإيمان وبدافع الحب، ويتلقى عندئذ القوة والقدرة والطاقة لتى تمدّه بجاذبية خارقة فتتحول الرغبة المشتعلة إلى مكافئها المادىّ، الذي يؤثر ويفعل، وتتحقق من خلال وسائل وخطط لا يملك الإنسان تفسيرا لها.

هكذا خلق صانع الطائرة مركبته من المعدن ورفعها ليوجّهها في الهواء، وهكذا أرسل ماركوني رسائله بدون أنابيب أو أسلاك، واجتذب بيتهوفن موسيقاه من السماء، ومشى أرمسترونج على سطح القمر ... وغيرهم ... وغيرهم ... وهم كثيرون.

لقد كان جميع أصحاب الإنجازات العظيمة بشرا، ونحن أيضا بشر، خالقنا واحد، وخلقتنا واحدة، جميعنا جاء إلى الحياة بإرادة الحب الإلهي وبوسيلة الحب البشري، وأُعطينا جميعا وبقدر متساو منحة الحرية.

أما من يعرفون الحب، وطريقة توظيف الحرية، فهؤلاء هم من تنتظرهم الجوائز، اليوم ... هذا العام .. وكل عام.

وكلّ عام وأنتم بخير.